محمد غازي عرابي

779

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

أيضا ، إذ قوى الفكر له أيضا ، وهذا ما سمي في الفلسفة دور العقل الفعال الذي يجعل العقل الهيولاني عقلا بالفعل ، أي يعلمه عن طريق الحواس ظاهرة وباطنة ، وهو الذي يطبع الصور الخالصة فيه فعلم العلماء العمليين والنظريين هو باللّه أيضا ، ولولا اللّه ما احتل الإنسان مكانته العلمية بين المخلوقات . . كما أن العلم الإشراقي الذاتي هو للّه باللّه أيضا ، لأنه لولا وجود المطلق العليم في المتعين ، ولولا كون القلب عرش اللّه ، لما انفجرت ينابيع هذه العلوم في الذات فضاء القلب بها وتنور . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 64 ] وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) [ العنكبوت : 64 ] كل ما فيه الإنسان من عمل وعلم وأمل هو لهو ولعب ، لأن حياة الإنسان أجل محدد ، وهي جسر منصوب بين المهد واللحد ، فأين سعي الساعين وأمل الآملين منذ عهد آدم وحتى زماننا هذا ؟ وما معنى أن يستعمر الإنسان الأرض كلها ثم يرحل عنها عاريا كما ولدته أمه ؟ ولهذا ألحت الآنبياء والعلماء على أن هدف الإنسان ليس استعمار الأرض والتمتع بالحياة الدنيا وزينتها والغرق في بحر اللذات ، فهذا أمر شارك الحيوان فيه الإنسان ، فالحيوان يأكل ويشرب وينكح ويبني ويسعى في تحصيل قوته . . بل إن على الإنسان أن يعرف نفسه ويعرف بالتالي ربه ، فإذا اهتدى بلغ الآخرة التي هي الحيوان ، أي الحياة الحقيقة ، حيث يبلغ الإنسان دار السّلام وبر السعادة والأمان فيحقق التوازن والانسجام بين ذاته والعالم وبين قلبه وربه . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 65 إلى 66 ] فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 ) [ العنكبوت : 65 ، 66 ] الفلك مجموعة المعقولات السابقة على الوجود الإنساني والتي يعتبر هو المظهر لها والحامل ، فباطنا المعقول حامل العاقل ، وظاهرا العاقل حامل المعقول . ودعاء اللّه هو من قبيل اتباع العاقل للمعقول وهذا بدهي ما دمنا قد تحدثنا عن آلية التفكير ، وكيف يتردد الإنسان بين الأفكار ، ثم يختار القرار ، وقراره هو المعقول المطبوع به من قبل اللّه وهو في بطن أمه فالناس جميعا يدعون اللّه من حيث يدرون ولا يدرون ، إذ اتباع الموصوف الصفة هو اتباع اللّه ، لأن من تبع اسما للّه أو صفة كان تابعا للّه عبدا ، وهذا معنى كون الإنسان عبدا ، وفي اللغة العبد هو الإنسان . وقوله سبحانه : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني تحقق الصفة عن طريق الموصوف نفسه ، أي خروج ما هو بالقوة إلى ما هو بالفعل ، فإذا الأسماء ظاهرة بالناس ، وإذا هي ظاهرة وظهورها